أهمية الإهتمام بالموهوبين والمبدعين في المجتمعات

عندما وُظِّفْت في تمكين سنة 2012، تم تعييني في قسم يدعى بـ"تنمية الثروة البشرية" أو باللغة الإنجليزية "Human Capital Development". كانت تلك هي أول مرة في حياتي أرى مصطلح "ثروة" مقروناً بشيء غير المال! فلطالما ظننت أن الثروة مرتبطة فقط بالنقود، ولم يخطر ببالي قط أن الثروة قد تأتي على عدة أشكال أخرى من ضمنها البشر. وعندما نرى الأمر من جوانب أخرى، نجد أنه من البديهي جداً أن تكون الثروة الأساسية هي الإنسان نفسه! فمن يقوم ببناء هذه الأموال والإمبراطوريات غير البشر؟

أعتقد أن الكثير منكم سمع عن حادثة شركة OpenAI مالكة ومؤسسة أشهر محرك ذكاء اصطناعي في العالم ChatGPT، والذي قلب العالم رأساً على عقب منذ انطلاقه في نهاية عام 2022! وكيف أن "سام ألتمان" الرئيس التنفيذي للشركة عُزِل من قبل أعضاء مجلس الإدارة في نوفمبر الماضي، وما حدث بعدها من استنكار من قبل أكثر من 600 موظف في الشركة، حيث قاموا بتهديد المجلس بالاستقالة الجماعية في حال عدم إعادة الرئيس إلى منصبه! وبالفعل، تمت إعادة الرئيس التنفيذي بعد أربع أيام فقط من عزله! وقدم أغلب أعضاء مجلس الإدارة استقالتهم بعد هذه الحادثة! نعم هذه هي قوة الثروة البشرية!

 ومن هنا يمكننا أن نطرح الأسئلة التالية: هل كل إنسان ممكن أن يكون ثروة لمجتمعه؟ وهل أولئك الناجحون الذين حققوا إنجازات تاريخية (في أي مجال من المجالات) كانوا أناسا عاديين؟ أم كانوا متميزين ومختلفين عن غيرهم؟

بحسب الدراسة التي قام بها عالم نفس النمو "هاورد جاردنر" في دراسة الشخصيات فائقة الموهبة والإبداع، والذي قام فيها بدراسة السير الذاتية لسبع شخصيات فائقة الموهبة (وهم: فرويد، آينشتاين، بيكاسو، سترافينسكي، إليوت، جراهام وغاندي)، وجد أن القاسم المشترك بين هؤلاء المبدعين هو أنهم يسعون إلى أن يضلوا مبدعين طوال فترات حياتهم، وأنهم يبتكرون منتجات جديدة أو حلول لمشاكل تقدّرها مجتمعاتهم على أنها حلول\منتجات إبداعية. ووجد أيضاً أن عوائل هؤلاء المبدعين غالباً ما يقدرون العلم والإنجاز والعمل الدؤوب، وأن مواهبهم تُكتشف في مراحل عمرية مبكرة.

نستنتج من ذلك، أنه من المهم جداً تحديد برامج وخطط لرعاية الأطفال الموهوبين والمبدعين (وحتى العاديين من وجهة نظري) منذ عمر مبكر، والحرص لتعريضهم للخبرات المتنوعة، خصوصاً في مجالات اهتماماتهم وتفوقهم، وتصميم الأنشطة الملائمة لهم والتي تحاكي قدراتهم العقلية، وتشجيعهم على الإنتاج والابتكار وإيجاد المشكلات وحلها بطرق إبداعية متميزة. ومن الممكن أيضاً الاستعانة بالخبراء والمتخصصين في المجالات التي يبدع فيها هؤلاء الأطفال لتقييم أعمالهم وإعطائهم النصائح والإرشادات والتشجيع اللازمين للارتقاء بمهاراتهم ونقلها إلى مرحلة الاحترافية.

على الرغم من وجود تحديات وقصور شديدين في مسألة تنمية الموهوبين والاهتمام بهم في مجتمعاتنا (وقد تتعدد الأسباب لذلك مثل: عدم وجود الطاقات البشرية الكافية لتنظيم تلك البرامج، وعدم وجود الميزانيات الكافية، وغيرها من الأسباب) إلا أن المسؤولية (من وجهة نظري) تقع -أولاً- على عاتق المختصين في مجالات الموهبة والإبداع ودورهم الكبير في نشر الوعي في المجتمع عن أهمية رعاية الموهوبين وكيفية رعايتهم، وثانياً أولياء الأمور والمعلمين (أو أي شخص في المجتمع يعرف طفلاً متميزاً)، ودورهم في توفير البيئة والدعم اللازمين لتطوير أبنائهم وبناتهم منذ مراحل طفولتهم الأولى.

نستطيع القول بأن هؤلاء الموهوبين هم الثروة البشرية التي يطمح كل مجتمع، وكل دولة الحصول عليها، ولذلك يجب أن تتكاتف الجهود في الدول من قبل الجميع لتطوير هذا المجال ونشر الوعي فيه.


المراجع

  1. Milmo, D., & Montgomery, B. (2023, November 20). OpenAI staff threaten to quit en masse unless Sam Altman is reinstated. The Guardian. https://www.theguardian.com/technology/2023/nov/20/openai-staff-walkout-sam-altman-board
  2. Gardner, H. (1993) Creating minds. New York: Basic Books.
  3. Sternberg, R. j. & Davidson J. E. (1986). Conceptions of Giftedness (2nd Edition). Cambridge University Press.

Comments